أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
398
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« إِذْ » الأولى « اذكر » مقدرا . الرابع : أنه منصوب ب « يَعِدُكُمُ » قاله الحوفي ، وقبله الطبري . الخامس : أنه منصوب بقوله : « تَوَدُّونَ » قاله أبو البقاء ، وفيه بعد ، لطول الفصل . و « استغاث » يتعدى بنفسه ، وبالباء ، ولم يجئ في القرآن إلّا متعديا بنفسه ، حتى نقم ابن مالك على النحويين قولهم : المستغاث له ، أو به ، والمستغاث من أجله ، وقد أنشدوا على تعديه بالحرف قول الشاعر : 2401 - حتّى استغاث بماء ، لا رشاء له * من الأباطح في حافاته المبرك مكلّل بأصول النّبت تنسجه * ريح خريق لضاحي مائه حبك كما استغاث بسيء فزّ غيطلة * خاف العيون فلم ينظر به الحشك « 1 » فدلّ هذا على أنه يتعدى بالحرف ، كما استعمله سيبويه ، وغيره . قوله : « أَنِّي » العامة على فتح الهمزة ، بتقدير حذف حرف الجر ، أي : فاستجاب بأني . وقرأ عيسى بن عمر ، وتروى عن أبي عمرو أيضا « إنّي » بكسرها ، وفيها مذهبان : مذهب البصريين أنه على إضمار القول ، أي : فقال : إني ممدّكم . ومذهب الكوفيين أنها محكية ب « استجاب » إجراء له مجرى القول ، لأنه بمعناه . قوله : « بِأَلْفٍ » العامة على التوحيد . وقرأ الجحدري « بآلف » بزنة « أفلس » ، وعنه أيضا ، وعن السّدّي « بآلاف » بزنة « أحمال » . وفي الجمع بين هاتين القراءتين ، وقراءة الجمهور أن تحمل قراءة الجمهور على أن المراد ب « الألف » : هم الوجوه ، وباقيهم كالأتباع لهم ، فلذلك لم ينص عليهم في قراءة الجمهور ، ونص عليهم في هاتين القراءتين ، أو يحمل « الألف » على من قاتل من الملائكة ، دون من لم يقاتل ، فلا تنافي حينئذ بين القراءات . قوله : مُرْدِفِينَ قرأ نافع ، ويروى عن قنبل أيضا « مردفين » بفتح الدال ، والباقون بكسرها ، وهما واضحتان ، لأنه يروى في التفسير : أنه كان وراء كل ملك ملك رديفا له ، فقراءة الفتح تشعر بأن غيرهم أردفهم ، لركوبهم خلفهم ، وقراءة الكسر تشعر بأن الراكب خلف صاحبه قد أردفه ، فصحّ التعبير باسم الفاعل تارة ، واسم المفعول أخرى . وجعل أبو البقاء مفعول « مُرْدِفِينَ » - يعني بالكسر - محذوفا ، أي : مردفين أمثالهم . وجوّز أن يكون معنى الإرداف : المجيء بعد الأوائل ، أي : جعلوا ردفا للأوائل » . ويطلب جواب عن كيفية الجمع بين هذه الآية ، وآية آل عمران ، حيث قال هناك : « بِخَمْسَةِ » ، وقال هنا : « بِأَلْفٍ » ، والقصة واحدة ؟ والجواب أن هذه الألف مردفة لتلك الخمسة ، فيكون المجموع ستة آلاف ، ويظهر هذا ويقوي في قراءة « مُرْدِفِينَ » بكسر الدال . وقد أنكر أبو عبيد أن تكون الملائكة أردفت بعضها ، أي : ركّبت خلفها غيرها من الملائكة . وقال الفارسي : من كسر الدال احتمل وجهين : أحدهما : أن يكونوا مردفين مثلهم ، كما تقول : « أردفت زيدا دابتي » ، فيكون المفعول . الثاني محذوفا ، وحذف المفعول كثير . والوجه الآخر : « أن يكونوا جاءوا بعد المسلمين . وقال الأخفش :
--> ( 1 ) الأبيات لزهير وانظرها في ديوانه ( 175 - 177 ) ، وانظر الخصائص ( 2 / 334 ) ، المحتسب ( 2 / 287 ) ، البحر المحيط ( 4 / 465 ) ، وانظر تحقيقنا على الدر اللقيط .